الشيخ أحمد الحملاوي

17

شذا العرف في فن الصرف

على أن الشيخ كان ممتازا فوق ذلك بمزية بارزة : كان تعليمه نظريا وعمليّا معا ، يشرح الموضوع بعبارته القوية ، فإذا أحسّ أن المقام دقيق ، لا تكفي فيه الإشارة ، ولا طويل العبارة ، أسرع إلى سبّورة المعلم ، فوضح الدقائق بخطه ، ورسم المشكلات بقلمه ؛ وأشبعها إيضاحا وتفصيلا ، في تدرّج عقليّ ، حتى يبين الصبح لذي عينين . وذلك مما أفاده من تدريسه للرياضيات ، ومن خبرته الواسعة بأساليب التعليم ، ومن طبيعة ذهنه الرياضيّ . ذلك كان شأنه في التصريف والإعراب واللغة . وكذلك كان شأنه في التاريخ ، لا يكاد يمرّ به علم أو بلد أو أرض ، حتى يسرع إلى ضبطه أو تبين موضعه على المصوّرات المرسومة ، أو على مصوّر يرسمه بيده ، كما كان يتبع دروسه النظرية دائما بتطبيقات عملية ، يعنى بتصحيحها ، ويقف الطلاب على مواضع أخطائهم منها . أما سائر معارف الشيخ من اللغة والعروض والأدب العربي : شعره ونثره ، والتاريخ والجغرافيا والرياضيات ، فقد كان محيطا بها إحاطة قلما اتفقت لرجال المدرسة القديمة التي عاصرته في الأزهر ، وقد كسب الكثير منها في دار العلوم ، وفي قراءاته الخاصّة ، فقد كان - رحمه اللّه - معنيا بتتبع ما يطبع من الكتب الحديثة التي يؤلفها رجال عصره ، كحفني بك ناصف ، ومحمد بك دياب ، ونظرائهما من رجال المعارف ، وكان ينقدها ويساجل أصحابها في بعض مآخذها ، كما كان مشغوفا بقراءة ما ينشر من الكتب القديمة ، ويستفيد منها فوائد لا تلبث أن تصبح موضوع حديثه مع تلاميذه . أذكر مرة أنه علم بنشر كتاب الهمع للسيوطي لأول مرة سنة ( 1327 ه - 1909 م ) فبعث في شراء نسخة منه ، ثم جاء في ثاني يوم يقول لطلابه : « قرأت أمس في كتاب الهمع للسيوطي أن من اللغات في لفظة « الّلائي » من الأسماء الموصولة : « الّلا » بالقصر ، التي شاعت بين العامة ، فينطقها بعضهم باللام المشددة مفتوحة ، وبعضهم بكسرها وقلب الألف ياء « الّلي » ، وكنا نظنها عامية ، فإذا هي من صميم اللغة في بعض أحوالها . هكذا كان الشيخ مولعا بالجديد ، وهكذا كان شديد الحرص على إفادة تلاميذه كل نفيس من قديم أو حديث . ( 5 ) وكان أستاذنا الشيخ الحملاوي شاعرا مكثرا من الشعر ؛ يقوله في المناسبات العامة والخاصة ، ويقوله فيما يعرض لحياته الخاصة من شؤون ، وما يتطلع إليه من آمال . وما يضطرم في نفسه من آلام . وأشعاره تنبىء عن صفاء روحه وقوّة نفسه ، واستمساكه بآداب